جهود الشيخ محمود الحفيد في التمهيد لثورة العشرين الكبرى

جهود الشيخ محمود الحفيد في التمهيد لثورة العشرين الكبرى
دراسة تحليلية
أ.م.د.كامران أورحمان مجيد/ جامعة السليمانية/ كلية العلوم الإسلامية
بحث منشور في مجلة حضارة / العدد 24 / كانون الثاني 2021

ملخص البحث:
عند تصفح أحوال شعوب المنطقة عمومًا والشعب العراقي على وجه الخصوص نجد أنه مرّ بمراحل مختلفة وتعرض فيها لخطوارت متباينة، فكان يعاني ظلم واستبداد بعض المسؤولين المحليين العثمانيين، ثم بعد الاحتلال البريطاني للمنطقة زاد الطين بلة حيث شعروا بالإهانات وسلب للحرية، وكانت المناطق الكردية حصة الأسد من هذه الاضطرابات حيث إن بلادهم وقعت بين المطرقة العثمانية والسندان الصفوية، فلم تستقر مدنهم، ومع مجيء الاحتلال البريطاني زادت المصاعب، فمع الاستمرار على الظلم أضافوا أمرًا جديدًا، وهو النيل من كرامة الناس وإذلال الشعوب، فلم يطق الشعب هذه الإهانات فقاموا بوجههم، وذلك بقيادة الشيخ محمود الحفيد، وسجلوا للتاريخ أن القوة العسكرية ليس بإمكانها استعباد الشعوب، فخاض الشعب كفاحًا وثورات قل مثيلها في التاريخ، وفضلًا عن ذلك ساهموا في معارك وانتفاضات في المدن العراقية الأخرى كمعركة الشعيبة في الجنوب وذلك في سنة (1914- 1915)م.
لما رأيت الاختلاف الكبير في سرد أخبار الثورات والنضال ضد الإنكليز بذلت قصارى جهدي لاستخدام المصادر التي كان أصحابها في قلب الأحداث وليس الذي يحكيها عن غيره أو بعيدًا عن الواقعة ومكان الثورة والنهضة، وبعد هذه الخطوة شعرت أن الذين كتبوا تاريخ الكفاح والثورات بعضهم وإن كانوا في مكان الحدث خطوة بخطوة، لكنه يبالغ في حكاية ما جرى، وعرفت هذه المبالغة عندما قارنت مع الكُتّاب الآخرين الذين كانوا مثله في الواقعة.
ففي نهضات مناطق السليمانية وضواحيها اعتمدت على مذكرات رفيق حلمي الذي كان كاتبًا ومُترجمًا لمساعد الحاكم الإنكليزي في السليمانية، ومع ذلك له الولاء للشيخ محمود وهو مؤيد له وكان ذا ثقافة عالية، وكذلك أحمد خواجة الذي أيضًا في قلب الأحداث خطوة بخطوة، وكاتبًا للشيخ، وعضوًا في إدارة حكومته الأولى، وعبدالمنهم الغلامي الذي كان مناضلًا في هذه المدة، هذا إذا كان الموضوع متعلقًا بالجهة الكوردية والشيخ محمود، أما إذا تعلق الأمر بالإنكليز ورجاله فاخترت مذكرات صاحب الواقعة إن كان له كميجر نوئيل وميجر سون، أما إذا لم يكن له مذكرات فأبذل جهودي بجمع ومقارنة ما كتب حول الحادثة ثم استنبط ما هو أقرب للصواب ولطبيعة رجال الإنكليز.
ومع كل ذلك سعيت لاستخدام المصادر الكوردية التي لم تترجم بعد لكي تكون معلوماتي مفيدة لإخوتي العرب، وهذا لا يعني أنني أعرضت عن المصادر العربية كلا، إنما أقصد إذا وجدت جديدًا لم تذكر في المصادر العربية.
ولما رأيت أن نهضة مناطق السليمانية بأقضيتها ونواحيها موضوعًا متشعبًا لكثرة الثورات والأحداث ركزت على ما له صلة بموضوع البحث، وهذا يجرني أحيانا؛ لأن أترك بعض التفاصيل حتى لا أخرج عن الموضوع من جهة، ولا يخرج حجم البحث عما هو مطلوب ومحدد من جهة أخرى.
هذا البحث جاء لبيان كفاح الشعب الكوردي ومناطق السليمانية على وجه التحديد، وهذه الثورات الكوردية التي تُعدّ تمهيدًا لثورة العشرين، - علما أنني اخترت الثورات التي وقعت واندلعت قبل ثورة العشرين لمناسبتها مع محاور المؤتمر - وإلا فإن نهضات السليمانية بقيادة الشيخ محمود بعد ثورة العشرين أكثر وأشد وأطول مما كانت قبلها- وقد زاد حبي للمشاركة في المؤتمر عندما رأيت المحور التاريخي بين محاور المؤتمر، وكذلك المحور: مقدمات ثورة العشرين، وقُسم البحث إلى مقدمة وثلاثة مباحث:
المبحث الأول: وقفة مع حياة الشيخ محمود الحفيد، ومعاناة الشعب الكوردي إبان الاحتلال
المبحث الثاني: ثورات الشعب بقيادة الشيخ محمود الحفيد تمهيدًا لثورة العشرين
المبحث الثالث: دور رجال الشيخ وأصدقائه في ثورة العشرين.
الخاتمة.

 المبحث الأول: 

الشيخ محمود الحفيد، ومعاناة الشعب الكوردي إبان الاحتلال
الشيخ محمود:
الحديث عن شخصه وعن نشاطه السياسي والاجتماعي والاقتصادي وغيرها بحاجة إلى صفحات وبحوث ولايتسع المقام للكلام عن كل هذه الوجوه، وقد كتبت مجموعة من البحوث والمقالات بل والكتب عن الشيخ محمود، وإن كانت أغلبها باللغة الكوردية.
فاسمه: هو محمود بن سعيد بن محمد بن كاك أحمد بن معروف النودهي، بن مصطفى بن أحمد بن محمد…إلى أن وصل إلى الحسين بن علي (رضي الله عنهم)( ).
ولد الشيخ محمود في مدينة السليمانية في محلة(كاني ئاسكان)، وتعرف المحلة أيضًا في السابق بـ الشيخان( )، وذلك في عام(1881م- 1299ه) ( )
فهو من بيت معروف بالعلم والعرفان من السادات البرزنجية المعروفة في المنطقة، كان آباؤه وأجداده مشهورين بالعلم ومشهود لهم، فجده كاك أحمد الشيخ( 1208-1305ه 1790-1887م) كان من الأولياء والعلماء وله مؤلفات ورسائل قيمة منها: مكتوباته، وله رسائل بالفارسية( ). وأما الشيخ معروف النودهي( 1175-1254ه1753-1838م) فله مؤلفات كثيرة في العلوم والفنون المختلفة وهي معروفة ( ).
درس الشيخ محمود القرآن الكريم والكتب البدائية من العربية والفارسية والدينية، والتي كانت تدرس عادة في مدارس(حجرة) في صغره وبداية عمره، فتعلم العربية والفارسية باتقان عند زيور الشاعر( ) وكذلك التركية، ومن أساتذته في الدراسة عزيز بن عثمان، المعروف بخواجه أفندي، ودرس العلوم الشرعية عند والده ومشايخ عصره( )، وكان الشيخ محمود يحب الأدب والشعر وله أشعار مدونة( ). ومع ذلك تعلم ركوب الخيل والرماية منذ صغره( )، وكان متدينًا مواظبًا على صلاته، وأقام شعائر دينه في أوقاتها، مجتنبا عن الكبائر، عف اللسان متواضعًا وقورًا مع المهابة"( )
عائلة البرزنجية عائلة عريقة ومعروفة بالعلم والعلماء، ومحبوبة عند أهالي السليمانية، وقد كان لمكانة آبائه وأجداده أثر كبير في شهرة الشيخ وحبّ الناس له والخضوع لأمره.
ألقابه:
الشيخ محمود:
يطلق وصف (الشيخ) عادةً إما على عالم متبحر في العلوم الإسلامية كما هو معروف عند المسلمين، أو على رجل كبير في العمر وقد ورد به النص: (وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا) هود من الآية(77)، ويطلق أيضًا على من له مكانة بين الناس، كما ورد في الأشعار القديمة( )، وانتشر بين الشعب الكوردي هذا اللقب على من يعود نسبه إلى آل بيت النبوة، حبًّا وإجلالًا، فلما أطلق لفظة الشيخ على الرجل محمود فلمكانته وكون نسبه يعود إلى آل البيت النبوة، فهو حسيني النسب( ).
النقيب: الشيخ محمود النقيب: لقب في الدولة العثمانية يطلق على كبير زعماء الطريقة في منطقة معينة( ).
الحفيد: لقب الشيخ محمود بالحفيد، وذلك لأنه كان حفيدًا لحاج كاك أحمد الشيخ العالم الرباني المعروف.
البرزنجي: ومن ألقابه البرزنجي؛ لأن أجداده في الأصل من ساكنيي ناحية البرزنجة ومن أحفاد الشيخ عيسى البرزنجي، وهي منطقة معروفة تقع في منطقة شاربازير بالسليمانية.
ظهر اسمه وذاع صيته بعد اغتيال أبيه وأخيه الأكبر(أحمد) ومن معهم في الموصل، وفي ظروف غامضة التي اتهم فيما بعد جهات ومنها: السلطات المحلية العثمانية، والاتحاد والترقي ( ).
واختفى الشيخ محمود( ) على إثر ذلك الحادث وما يتعلق به عن الأنظار في السليمانية( ) واستقر في مريوان مدة من الزمن وبقي هناك إلى أن شعر بتحركات الدول الكبرى نحو العراق وكوردستان فعاد على طلب الدولة العثمانية كما سيأتي( ).
وفاته:
توفي الشيخ محمود الحفيد بعد أن ناضل وكافح قرابة ستين سنة، في العاصمة بغداد، قرابة صلاة الفجر وفي مستشفى حيدر، ليلة الثلاثاء، وذلك في(9/10/1956م) وفي اليوم نفسه أعيدت جنازته إلى السليمانية، جثمان رجل صرف عمره وبذل جهوده من أجل الحرية واستقلال شعبه، ولا تسأل عن كيفية استقبال الناس للجنازة؛ لأنه كما قال الحلمي بحاجة إلى كتاب خاص( ).
معاناة الشعب الكوردي إبان الاحتلال البريطاني:
الشعب الكوردي من الشعوب التي صار الاضطهاد والتهجير والكبت الاجتماعي جزءًا من حياته منذ مدة طويلة، ولعل هناك أسبابًا عديدة لمجريات الأحداث ولا داعي لذكرها هنا( ).
وما يخص هذا الشعب قبيل الاحتلال الإنكليزي من المعاناة فكانت كثيرة، عاش هذا الشعب بين المعارك والصراع برهة من الزمن، ناهيك عن الفقر والمرض المنتشر المميت، فهذا شاكر فتاح(1914-1988م) يحكي هشاشة الجانب الاقتصادي قائلا:" كان مقر الجنود التركية مقابل بيتنا والأيام التي قام جنود الترك بإلقاء بغلة أو فرس ميتة في الوادي، كان عيدًا للفقراء، فكانوا يتعاركون على الجيفة، ومن استطاع أن يحز قطعة لحم من الميتة، فهو السعيد الفائز، وكثير منهم يرجع خالي اليدين"( )، وهذا يصور لنا بوضوح صعوبة الحياة في ظل الدولة العثمانية، فالميتة محرمة أكلها والشعب مسلم فكيف المعارك على الميتة!!، فالجواب واضح أن الفقر والجوع والبطالة هيمن على الحياة ولذلك يأكلون الميتة.
وفي موضع آخر يقول:" كنت صغيرًا إذ أخذت خبزة لرجل كبير محتاج عارٍ -بلا ملابس- فما أن أعطيته الخبزة، اختطف (مئزرتي) التي على رأسي( ).
وقد انتشر في هذه السنين مرض مميت حيث يموت الناس أفواجًا فكانت الجثث على جانب الطرق والخراب، ولم يكن باستطاعة الإدارة الحاكمة في حينها، ولا الناس المدنيين دفنها حسب التعامل الإسلامي المفروض معها( ).
وهذه كلها من جهة وسوء تعامل الإدارة العثمانية مع المواطنين في هذه المناطق من جهة أخرى.
فهي لم تقدم أي خدمات بل علاوة على ما تعرض الناس له تفرض عليهم وتطلب بالتبرعات ومساعدة الجيش، وأخذ الناس أفواجًا وإرسالهم بالقوة إلى صفوف الجيش، فكل ذلك جعل الناس لا يميلون للدولة وربما فيهم الكثير يتمنى زوال الحكم، وهذه الحكايات وغيرها توضح جزءًا من مأساة الناس في هذه الأزمان.
مشكلات الشعب الكوردي مع البريطانيين:
تحدثنا عن حياة الناس في ظل الدولة العثمانية وعرفنا مدى انهيار الإدارة وعجزها عن تقديم أي خدمة وتسهيل للمواطنين، ولمّا جاء الإنكليز بدؤوا يقدمون ما كان الناس بحاجة إليه لعيشهم كالحنطة والطحين والسكر والشاي والأرزاق وإن كانوا يبيعونها والفقير لم يظفر بها( )، وكذلك وظفوا بعض الناس في الدوائر، فشعر الناس بالراحة فيما يخص الجانب الإقتصادي وكذلك من الناحية الأمنية، فكان الشيخ هو الحاكم المطلق في السليمانية( ). فعاش الناس فترة بعيدا عن المجاعة والمشاكلات، إلا أن هذه المدة لم تكن طويلة فمع استقالة ميجر نوئيل برزت المشكلات مرة أخرى فكان التوتر الفكري عمّ المدينة، فلم يسعد الشعب لشعورهم بالاحتلال، وينظرون إلى الوجود الإنكليز عدوًّا على تربة البلاد، قال شاكر فتاح:" عندما كنا في المدرسة في أثناء وجود الإنكليز في السليمانية لا نشعر بوجودنا وقيمتنا"( ).
وكان ميجر سون على ما يحكى عنه كان يحكم بالحديد ويهين الأهالي ومن ذلك فرض على الكل أنه ينبغي إذا جاء للسوق أو المكان العام يجب على المدنيين ترك عملهم ويقومون له ويحيون عليه دون أن يرد السلام لأحد ومن خالف هذا فقد ارتكب جرما عظيما( )، وأنت فكر هذا الشخص محتل ومع ذلك هو يفرض نفسه على المواطن الأصلي ويهين الناس بهذه الطريقة فكيف تكون حالتهم النفسية، وإحساسهم تجاه الحياة.
ويقال أن سون كان منحرفا من الناحية الخلقية، يعشق الدم فيقتل ويفرض الضرائب ( ) مع أنه كسلفه ميجر نوئيل يأتي بالأرزاق لكنه يظلم ( ).

 المبحث الثاني: 

كفاح الشعب بقيادة الشيخ محمود الحفيد تمهيدًا لثورة العشرين
عودته إلى السليمانية:
جاء رشيد باشا والي بغداد إلى كركوك وطلب من الشيخ محمود الذي استقر في مدينة مريوان أن يعود إلى السليمانية، ففبل الطلب وعاد فلمّا التقى به يوازيه كثيرًا، فعاد الشيخ إلى المدينة بعد هذه المبادرة إلى المدينة، مع الاطمئنان على التحقيق في موضوع الاغتيال وعقوبة كل من له دور في حادثة الموصل، وكانت عودته في شهر(مارت 1915م)( )، ومن ثم اعتقل الذين لهم صلة بحادثة الموصل وتم تقديمهم للمحكمة، فحكم عليهم بأحكام متنوعة كل حسب مشاركته في الحادثة( )، والباشا عفا عن الشيخ فيما يتعلق بحادثة كفري التي قتل فيها والد بهاء أفندي، وحكم غيابيا على الشيخ بثلاث سنوات على أنه مشجع للحادثة( ).
الشيخ والدولة العثمانية:
مع أن الشيخ استجاب لدعوة الدولة لعثمانية بالعودة إلى السليمانية، لكن سرعان ما ظهر غرض الدولة من طلب العودة، وهو محاربة الغزاة من الحلفاء الإنكليز والروس ومن معهما من الهنود وغيرها.
ومع أن الشيخ محمود حشد المقاتلين، وقاتل الروس مرتين، والإنكليز في الشعيبة كما سيأتي، ومع كل ذلك يبدو لم يثق بهم، ولم ينس حادثة الموصل، إضافة إلى ذلك حكمهم على مجموعة من أصدقائه ومقاتليه الذين كانوا قاتلوا الإنكليز في الشعيبة، ومع ذلك حُكم عليهم بالإعدام( )؛ لأنهم على أساس هم السبب في انكسار الشعيبة، علما أن السبب الأول والأخير هو من أدار المعركة، وعدم التكافؤ بين القوتين الإنكليز مع العشائر العراق والقوة المضطربة للعثمانية.
وكذلك حكم بعض المسؤولين المحلين العسكريين بالإعدام على بعض الشخصيات الكوردية الذين كانوا معه بعد الجولة الثانية من المعركة مع الروس، دون مبرر معقول لذلك( ).
فكل هذه الأمور ومعرفته لطبيعة العثمانية وتعاملهم مع الناس والفقر المنتشر الذي هم السبب الأساس في الحقيقة، وعدم تقديم الخدمات للمجتمع بل فرض التبرعات، وأخذ الناس إلى الحروب بقوة، وأخذ أموالهم غصبا، ووضعهم السياسي البين الذي آل إلى زوال سلطتهم.
المآخذ على الشيخ محمود:
الإنسان أذا تحرك وبذل جهوده لتحقيق هدف ما في الحياة أكيد قد تكون له هفوات وأخطاء من عدة نواحي والشيخ محمود مع أنه أقوى شخصية باعتراف البعيد العدو قبل القريب الصديق إلا أنه ربما له مواقف يعترض عليها إلا أنه ينبغي للناقد والمعترض أن يحلل جميع الجوانب ثم يوجه ويسجل اعتراضه، لأن هناك أمورا عرفها الشيخ محمود لكن الظروف هي التي حرمته من تحقيقها، ومن الاعتراضات الواردة عليه فيما يخص موضوعنا:
ينتقد الشيخ بأنه سلّم مُسلّحي العثمانية إلى الإنكليز أو ما شابه ذلك، وهذا ليس صحيحًا، فلم يُسلّم الشيخ جنود الدولة للإنكليز بل أرسلهم إلى الموصل للالتحاق بقواتهم هناك أو المناطق الموجودة فيها قوات الدولة، وهذا بعكس ما يتمناه الإنكليز فهم طالبوا بتسليم الجنود إليهم وأبى الشيخ محمود( ).
والحقيقة هي أن الدولة العثمانية آنذاك تعاني المجاعة، فتُسرّح جنوده أفواجًا، فهذا خليل باشا سرّح نحو (5000) جندي من أهالي كركوك والسليمانية للاشتغال بالزراعة، وتقليل الأفواه الآكلة من الجيش، وبلغت خسائر الجيش السادس خلال شهري كانون الثاني وشباط(1918م) من جرّاء المجاعة والهروب (9000) شخص( ).
ومن جهة أخرى يعترض على الشيخ محمود بأنه سلّم السليمانية إلى الإنكليز بخلاف المدن الأخرى التي استولى عليها الاحتلال نتيجة للمعارك.
ويمكن أن يجاب عن هذا بأن الشيخ عرف منهج الدولة العثمانية، وذاق شعبه الفقر والمجاعة في ظل الدولة، ومع ذلك نكثوا عهدهم بإعطاء الحكم الذاتي أو شيء من هذا القبيل. فمن حقه أن يفكر لمصلحة شعبه كما فكر أمراء الحجاز عندما أعلنوا الثورة ضد الدولة العثمانية وانضموا إلى الحلفاء دون اضطرار( ).
ولا ننسى أنه لم يكن باستطاعة الشيخ الوقوف بوجه الحلفاء وحده، ومع كل ذلك لم يُسلّم المدينة بل اتفق معهم بحسب شروط معروفة ومن بينها تحقيق هدف الكورد في الاستقلال.
وكذلك أن الإنكليز كانوا يريدون الهجوم على المنطقة حتى قبل المبادرة من الشيخ محمود: فقد طلبت وزارة الحربية البريطانية من الجنرال مارشال استئناف الزحف نحو كركوك والسليمانية إلاّ أنه أوضح المشاكل المانعة من هذا الأمر ( )
وخلاصة القول: إن المتأمل لما كتب وروي عن هذا الرجل ودوره يجد تضاربًا واضطرابًا في أمور كثيرة، إذ قد يتحير القارئ بين الكُتّاب والمُدوّنين لحياته ودوره، فهناك من يرى أنه رجلٌ يتمتع بمعانٍ وصفات رفيعة، ولم يكن فيه ما يعترض عليه.
وتجد عكس ذلك فهناك من يتهمه بعدم المبالاة وسوء التعامل والميل للأجنبي وغير ذلك.
لكن ينبغي للمنصف أن لا يتبع الدعاوى المجردة السطحية بلا برهان والخوض في أحواله.
وبعد تتبعي لكثير بل أغلب الكتب والروايات حول هذا الرجل ودوره يتبين له أن الرجل كان صادقًا ومخلصًا وكان يؤمن بحق الشعب الكوردي وجميع الشعوب التي لها حق الحرية والاستقلال، وأما حول تحركاته واختياراته فهو قد اضطر لاختيار أمر ما وإن لم يؤمن به تمامًا، مثل كونه بين الدولة العثمانية والروس والإنكليس فلم يكن بوسعه أن يبقى مستقلًا محايدًا فلابد من اختيار طرف من هذه الدول الثلاث، فاختار الإنكليز لوعدهم له باستقلال كوردستان. أما الترك فقد كان له خبرة طويلة معهم فلم يؤمنوا بحق الشعوب والاسقلال وما شابه ذلك، وأما الروس فكان نظرته تجاههم صحيحة حيث يرى أنه لا بقاء لهم طويلا ورأى تصرفاتهم مع الشعب الكوردي لمّا اجتاحوا كوردستان إيران ومناطق خانقين.
فلم يبقَ أمامه الا الإنكليز وإن كان لم يثق بهم تماما لكنه قرار اضطراري.
وكذلك كمهاجمته الإنكليز فهو لم يكن رجلًا مُحبًّا للحرب وسفك الدماء أو ميّالًا للفوضى لكنهم تعسفوا في حقه وظلموه فلم يبقَ أمامه إلا إظهار القوة لهم، فهو لم يُرِد الحرب معهم حتى مع تصرفاتهم غير المعقولة خصوصا ميجر سون بل هذا الأخير هو الذي أعلن الحرب عند زيارة محمود خان الدزلي للسليمانية.
ولابد أن تكون له أخطاء؛ لأنه إنسان والرسول (صلى الله عليه وسلم) قد قال:( كل بني آدم خطّاء وخير الخطّائين التوّابون) ( ) وهذا شامل لجميع مجالات الحياة، فهو أيضًا له هفوات وأخطاء، سواء كان من حيث الإدارة والسياسة أو أمور أخرى.

رسائل الروس للشيخ محمود:
الرسالة الأولى من الجنرال براتوف مارشال بوديني، بوساطة عبدالله خان الكولاني من أهل مدينة السابلاغ، وأرسل الرسالة ذلك عند وصولهم إلى أطراف خانقين، فطلب من الشيخ محمود أن يكون مساهمًا معهم لطرد الجيش العثماني في المنطقة، والذي عدّه عدوًّا مشتركًا لهما، وكما طلب أن لا يرفع السلاح بوجههم؛ لأن الخوض في الحرب مع الروس سيضر بنفسه وشعبه، وورد فيها: نحن ليس لدينا طموح في بلادكم، بل هدفنا الأساس هو إخراج الجيش العثماني في المنطقة، فعدم التعاون مع الدولة العثمانية عامل جيد لتحقيق أهدافكم واستقلال بلادكم، ونحن على استعداد لمساعدتكم كما أكدنا ذلك قبل سنوات( )، وقبل أن يردّ الشيخ البرزنجي على الرسالة أرسل الجنرال رسالة أخرى، ويبدو أنها بالمحتوى نفسه ( ).
الرسالة الثانية:
لم ينتظر الجنرال الروسي ردّ الشيخ على الرسالة الأولى فأرسل الرسالة الثانية، ومحتواها قريب من محتوى الأولى، وقيل أرسل الرسالة الثالثة أيضًا، ولكنّ الكُتّاب والباحثين لم يؤكّدوا ذلك.
إلّا أن الشيخ محمود حسب ما رُوي عنه أنه لم يردّ على هذه الرسائل، وذلك لكرهه الروس، وتعاملهم القاسي مع الأهالي، وقتلهم الأكراد في المناطق التي استولوا عليها( ).

الرسالة الثالثة من الروس:
هذه الرسالة بعد المعركة الثانية للشيخ محمود مع الروس والتي سنذكرها، والرسالة الثالثة من صفوت بك الكوردي( ) وممثل الروس والرسالة هي:
من الأمير صفوت بك ممثل جيش القيصر الروسي إلى الشيخ محمود: وبعد التحية والسلام يقول: بعثنا أحمد سوربيني مع مصحف حتى تطمئن من كلامه.. ثم بدأ يتحدث عن هشاشة الوضع العثماني وهو على انهيار تامّ، فإذا تركتم مناصرتهم فهم ليس بوسعهم مقاومة القوات الروسية القيصرية، والروس لهم قوة قوية متطورة، ولذلك أحب أن تسمعوا كلامي وتأخذوا منا بعدم مساعدة القوات العثمانية، والدولة القيصرية مستعدة لكل مساعدة تحتاجون إليها… نحن نحتاج مساعدتكم لإخراج الترك، ولا أريد منكم أن تختاروا لأنفسكم قوة قوية كالروس للعداوة، أرجو الإجابة على هذه الرسالة. صفوت بك/ أيلول (1915م)( ) وهذا مفهوم الرسالة وليس نصها.
جواب الشيخ على رسالة صفوت بك:
مختصر الجواب ومفهومه:
بعد التحية والسلام: أنا أحفظ بلادي من الروس السُّفّاك، ولا انتظر هدايا وسخاء القيصر، استأصلوا الشعب الكوردي، وأنت تعرفني جيدًا، وتعرف أيضًا الوضع المالي عندي، لا أخاف من عدوٍّ قد عرفته، أمنيتي وأملي حرية الشعب الكوردي، ومن يساعدني في ذلك، ويقدم لي دعمًا نحو هذا الهدف، فهو من أوليائي، وأما جوابي للعدو فيسمع من بندقية الكورد، أيلول 1915م( ). وبذلك انتهى الاتصال بين الشيخ والروس( ).

معارك الشيخ مع الروس:
المعركة الأولى:
وجّه السلطان محمد رشاد نداءً عامًّا للمسلمين، وخصوصًا للشيخ محمود للقيام بالجهاد ضد الروس المحتل، وقد أجاب الطلب وجمع الناس والمقاتلين فهاجموا الروس، وبعد معركة عنيفة قتل فيها الكثير من الطرفين، انسحب الروس الى خارج الحدود العراقية اليوم، وذلك في شهر (مارس 1915م)( ). قال عبد المنعم الغلامي:" عن الشيخ محمود: ماكاد يستقر به المقام في السليمانية إلا ونهض للجهاد من جديد- أي: بعد معركة الشعيبة-، وتقدم إلى مقاتلة الدولة الروسية حليفة بريطانيا آنذاك الزاحفة إلى العراق من جهة الشرق، وخاض معها معارك في جبهة بنجوين ودحرها إلى الحدود الإيرانية"( )
المعركة الثانية:
بعد عودة الشيخ محمود من الشعيبة وتحسن جروح الشيخ، طلبت الدولة العثمانية منه مرة أخرى مواجهة الروس الذين استولوا على بينجوين ومناطق أخرى بجيش كبير للمرة الثانية، فكما رُوي أنهم أحرقوا بينجوين ورواندز وخانقين.
وذلك لما وصل القوات الروسية إلى أطراف خانقين بقيادة الجنرال باراتؤف في(17/1/1916م)، وجنرال جنرازوف، رايات باتجاه رواندز، وفي (13/5/1916م) استولوا على خانقين، وإن كان الترك أخرجوهم مرة أخرى إلا أن الروس هاجموا في(4/1917م) مرة أخرى خانقين، ومن بين قواتهم القوقازية الشرسة بقيت خانقين بيد الروس إلى (8/1917م)( ).
ومن جهة بينجوين جاءت قوات الروس في عام(1916م) من جهة كوردستان إيران باتجاه كوردستان العراق، وفي (7/5/1916م) هاجمت في ثلاث جبهات وهي: رواندز وبينجوين ومنطقة الميدان التابعة لكرميان، واستولت على رواندز في (13/5/1916م)، ولم تستطع دخول بينجوين كما لم تعبر نهر سيروان من منطقة الميدان( )
فحشد الشيخ الرجال وتوجّهوا نحو بينجوين ورواندز مع العشائر والجيش العثماني، فهاجموا القوات الروسية، فوقعت معركة شرسة، وقتل فيها خلق بين الطرفين وأخيرًا انهزم الروس فانقسمت القوات الروسية إلى قسمين: قسم اتجه نحو مريوان، وتبعهم الجيش العثماني، فلم يتوقف هذا القسم إلا بعدما وصل إلى مدينة سنة.
والقسم الثاني وهو الأقوى من القوة الروسية، فانهزم نحو مدينة بانة، والعشائر الكوردية كانت تتولى هذه الجبهة، ولم يتركهم الثوار إلا بعد إخراجهم من مدينة بانه( ). ولكن جزاء هذه التضحيات للعشائر الكوردية من الدولة العثمانية كان عبارة عن الحكم على مجموعة من الشخصيات المعروفة وأصدقاء الشيخ محمود بالإعدام لكونهم خالفوا الأوامر ونهبوا الأموال( ).
ومع ذلك نكثوا عهدهم الذي أعطوه للشيخ محمود وهو الحكم الذاتي للكورد، قال أحمد خواجه:" سمعت من الشيخ بنفسي أنه قال: إنني عاهدت خليل باشا أبقى معهم في المعركة حتى تنتهي أقاتل معهم جنبًا إلى جنب، لكن بشرط بعد المعارك يعطون الحكم الذاتي للكورد، والشعب الكورد يكون له حرية، فلذلك لم أرد أنكث عهدي وانسحب"( ).
الشيخ والإنكليز في أول اتصال:
ذكرنا الأمور التي دفعت بالشيخ أن يفكر لمستقبل شعبه، فهو اختبر العثمانيين وعرفهم أنهم لا يؤمنون بما يتمنّاه من حرية الشعب الكوردي والحكم الذاتي فلم يبقَ بهم أمل، وعرف أيضًا وضعهم السياسي على وشك الزوال، وكما لم يثق بالروس ولم يستعد للتعاون معهم، وكذلك لم يكن يأمن الإنكليز في الأساس لكنه فكر وعرف أن الظروف لا تسمح له ببقائه مستقلا بين هذه الدول الكبيرة العالمية، ومن جهة أخرى رأى أن الفقر وصل إلى نهايته بين الناس ومنطقته فقيرة لا يمكنها الاكتفاء الذاتي، وأن البقاء وحده محصورًا مع أتباعه فإنما يقضي على نفسه بالخنق( )، وعليه اختار مضطرًا الانكليز وذلك بعد استشارة أصحابه بعث رسالته الأولى السرية إلى القيادة البريطانية في مدينة كفري عن طريق كل من"عزت المدفعي" وأحمد فائق"، وهي موجهة بالأساس إلى ويلسن الحاكم البريطاني في بغداد، فطلب فيها استقلال الكورد وتشكيل حكومة كوردية برئاسته، وتحت مراقبة بريطانية، وطبعا في مقابل ذلك تعهد بعدم مقاومة البريطانيين بل أظهر استعداده للتعاون في ترتيب أمور المدن في المنطقة إذا تحققت شروطه، وأبرزها استقلال كوردستان، وتشكيل الدولة الكوردية، ومجموعة من الأمور والمطالب الأخرى، إلا أن الدولة العثمانية أعادت السيطرة على كركوك(في 18/آيار/1918م) وعرفت بموضوع رسالته إلى البريطانيين، فدعي الشيخ إلى كركوك واعتقل فقدم للمحكمة وبعد اتهامه بأمور أبرزها موضوع الرسالة،حُكم عليه بالإعدام وذلك في يوم(30/8/1918)م( )، وأما العمل على الرسالة من قبل الإنكليز فقد أوصل ويلسن الرسالة إلى القيادة البريطانية، وعلى رأسها(السير برسي كوكس) القائد الأعلى في الهند، وأبدى ارتياح بريطانيا من موقف الشيخ تجاههم ( ).
ويتبين للباحث بعد البحث والتصفح أن الشيخ كتب رسالتين في هذه المدة إحداهما إلى الحاكم البريطاني في بغداد عن طريق السيد محسن ئاغا في كفري، وثانيهما إلى القيادة العامة البريطانية في كركوك عن طريق عبدالله الصافي اليعقوبي في كركوك( ). وأما "عزت المدفعي" وأحمد فائق"، فهما على ما يبدو لي كانا مكلفين بإيصال الرسالة إلى كل من السيد محسن واليعقوبي.
الشيخ محمود حاكمًا في السليمانية:
وبناء على ما تم الاتفاق عليه بين الجانب الكوردي بقيادة الشيخ محمود والجانب الإنكليزي الذي مثله الحاكم البريطاني في بغداد ولسن( )، بعث البريطانيون ممثلهم"الميجر نوئيل" إلى السليمانية، وذلك في منتصف تشرين الثاني/1918م) للبحث عن تفاصيل التفاهم بين الجانبين، فوصل المدينة برفقة وفد مكون من مهندس وطبيب وبعض الفنيين وذلك في(15/11/1918)م ( )، وكانت علاقة الميجر نوئل لا بأس بها، فهو يحسن التعامل مع الشيخ محمود، ولم يقرر في أمر ما دون استئذان منه، والحاكم الفعلي كان الشيخ محمود لكن، وكما يتبين من مذكرات البريطانية ووثائقهم أن هذا الأمر كان مخططا؛ لأن ظروفهم لم تسمح بغير ذلك، ولما تغير الوضع وتحصنوا أكثر أبدلوا نوئل بالميجر سون الذي لم يراعِ الشيخ في إدارة المنطقة، ولم يستشره بل هو ينال من شخصيته بين الناس علنا( ).
بداية الخلاف مع ميجر سون:
قال الدكتور علي الوردي:" عام(1919م) عام الثورة والنهضة في المناطق الكوردية أهمها ثورة الحفيد( )، وقد اندلعت ثورات ونهضات في مناطق مختلفة في العراق ومنها ما حدث في النجفي آذار(1918م) فقتل فيها الحاكم البريطاني هناك كابتن مارشال فقام الإنكليز بالحصار على المدينة أربعين يومًا فقبضوا على مجموعة كبيرة من الناس ونفوا بعضهم وأعدموا أحد عشر رجلا منهم( )، وكذلك ماحدث في كوردستان في مدينة زاخو ومن قبل عشيرة كويان من قتلهم لمعاون الحاكم السياسي هناك (كابتن بيرسون) وإعلانهم للثورة وذلك في (4/4/1919م)، وأعقبتها نهضات وثورات( ).
معارك الشيخ ضد الإحتلال البريطاني:
المعركة الأولى: معركة الشعيبة التاريخية( ):
فتوى العثمانيين في الشعيبة( ) طلب السلطان محمد رشاد من الشيخ محمود للقيام بالواجب والدفاع عن الأمة، فضلا عن طلب رؤساء العشائر العراقية أيضًا من الشيخ للأمر نفسه خصوصًا من الشيخ سليمان ضاري محمود( )، بدأت المعركة في (12-14/4/1915م)، وهذه المعركة تُعدّ معركة تاريخية؛ لأنه شارك فيها جميع القوميات العراقية، وأول معركة من الدولة العثمانية والعشائر معًا ضد البريطانيين على أرض العراق، وإن خسروا فيها.
ومن رؤساء العشائر والشخصيات المعروفة المشاركين في المعركة من العرب: الشيخ محمد سعيد الحبوبي، والشيخ عجمي السعدون، والشيخ عبدالله الفالح.
وأما الكورد فالمشاركون عدا الشيخ محمود الحفيد، هم: رفعت إسماعيل بك ابن داودة، ونامق علي ئاغا، وسيد أحمد الخانقا من كركوك، هؤلاء مع رجال عشريتهم شاركوا فيها مع عشائر الداودي والدلو الزنكنة والهموند والجاف في منطقة كلار وكرميان( )، والسيد أحمد البرزنجي، الملقب بالسيد أحمد خانقاه، والشيخ عبدالقادر البرزنجي، عبدالله اليعقوبي، والسيد محمد على
بريقدار، والسيد نامق بك الهموندي، وأحمد زنكنة.
وقد روى أحمد زنكنة ما يلي عند مرورهم بالمدن والعمران العراقية: وما أن وصلنا بغداد حتى أصطفّ الناس على جانب الطريق، يهللون ويكبرون ويصفقون لنا، ويقرعون الطبول والدفوف ويرددون الأهازيج الحماسية والمدائح الدينية التي تحث على الجهاد، كما تعالت زغاريد النسوة في القضاء، وهن محجبات يتطلعن إلى الموكب من أعالي السطوح في منطقة قرب الجسر العتيق، لقد خرجت بغداد بشيبها وشبابها وأطفالها ونسائها لاستقبال إخوتهم الكورد"( )، ومن هتافاتهم ومدحهم بالأهزوجة التي أصبحت على شفاه الناس لمدة تالية من المعركة وتقرأ في المناسبات الدينية:" ثلثي الجنة لهادينا وثلثها لكاك أحمد وأولاده، وكاك أحمد هو جد الشيخ محمود، أو"ثلثي الجنة لهادينا وثلث الجنة للشيخ محمود وأكراده" وذلك عند مرور القوات الكوردية من وسط وجنوب العراق( )، وكانت المسافة من السليمانية إلى البصرة والشعيبة عبارة عن(مئات الكيلومترات)، فبدؤوا يتحركون بين راكب وراجل نحو هذه المعركة المصيرية.
وكان عدد مقاتلي العراقيين أكثر من الجيش العثماني، وعدد الكورد منه مختلف فيه، حيث قال الحلمي:" كانوا أكثر من ألف مسلح"، وقال عبدالرزاق الحسني المؤرخ:" ألف ونصف، بينما قال شكري محمود نديم الذي كان ضابطا في الجيش آنذاك:" كانوا ألفين من الكورد والتركمان، ومجموع الكل اثنا عشر ألفا( )، والاحتلال البريطاني اعتبر عدد الكورد (ثلاثة آلاف) والباحث يتفق مع الدكتور كمال مظهر في تقصير واضطراب الجيش العثماني حيث لم يستطع حتى تسجيل عدد مقاتليه، ويعرف عددهم، لكنه يخالفه في ترجيح كلام ووثائق بريطانيا بهذا الشأن( ) وذلك؛ لأن كلامهم لم يأت عن دليل وتعداد رسمي، وإنما عبارة عن التخمين فقط، ولا سبيل لترجيحه على غيره بل ربما كلامهم أبعد عن الصواب لكونهم أبعد عن الواقع وساحة عدوهم.
بدأت المعركة كما ذكرنا في(12/4/1915م)، وكان الهجوم من قبل الجيش العثماني وأهالي العراق من ثلاث جهات إلا أنه لم يكن هناك تكافؤ في القوة، وإن كانوا في بداية الهجوم وصلوا إلى مقربة من أماكن من الشعيبة لكن مدفعيات العدو لم تسمح للمهاجين فهي كانت مسيطرة تماما، فانتصر المحتل وانهزم العراقيون فانسحب الكورد إلى الناصرية والسليمانية فيما بعد( ).
وخلال يومين من النزال قتل من أهل العراق والجيش العثماني قرابة (ثلاثة آلاف) شخص، والجرحى أكثر من هذا بكثير، وأسر (ثمانمائة) مسلح مع اختلاف كثير في تحديد العدد سواء كان بالنسبة للقتلى أو الجرحى، فيقال ستة آلاف مقاتل بين جريح وقتيل وقيل أقل من ذلك ويعود هذا إلى اضطراب شؤن الدولة العثمانية آنذاك، ويُقال في المقابل إن خسائر الإنجليز كانت ضعفي خسائرنا، ورجّح مظهر كلام الانكليز بحجة أن جثامين العثمانيين والعراقيين كانت وقعت بين أيديهم( )، وأما الخسائر البريطانية التي أعلنوها فهي:(ألف ومائتان وخمسون) (1250)بين قتيل وجريح( ).
وأصيب الشيخ محمود في أثناء المعركة بجروح بالغة، وقتل منهم العشرات، ومن أبرز الشخصيات الكوردية التي قتل في المعركة: الشيخ ستار الطالباني، والشيخ لطيف الطالباني، ورشيد باشا.
وأهالي المنطقة لم يسمحوا بنقل الجثث وإعادتها إلى مناطقهم وكوردستان حبا لهم بل احتضنوهم هناك، لتكون الجثث والأحداث شاهدة على الأخوة الإيمانية بين الشعوب الإسلامية( )، ومن ثم عاد الشيخ بعد شفائه من جروحه إلى السليمانية( ).
الثورة الأولى في السليمانية: 1919( )
قال بيل علنا:" في منتصف مارت(1919م) عُيّن الميجر سون…حاكمًا سياسيًّا لتقليص ظل الشيخ محمود"( ) وبعد أن تبين للشيخ محمود أهداف الإحتلال من تصرفاتهم وأيس منهم ومن وعودهم بالاستقلال والحرية، ومن تحركات ميجرسون، الذي أرسل رسائل لويلسن نبهه على سوء تعامل السون وذكّره بالاتفاق بينهما لكنه لم ير منهم أيّ خطوة نحو التهدئة والتحسن في التعامل، فبدأ هو أيضًا يفكر بجمع قواته، وإعلام الناس بأهداف الإحتلال وكما يشهد البريطانيون أن الشيخ كان يتمتع بحب وإجلال من أهل المنطقة( )، فيبدو أنه أفهم محمود خان الدزلي( ) أن يأتي مع بعض رجاله إلى السليمانية للزيارة، فحضر الدزلي مع ثلثمائة رجل من عشيرته، ولم يعلم ميجر سون بمجيئهم إلا بعد أن وصل إلى أطراف السليمانية، فلما عرف سون طلب من الشيخ محمود أن يمنعهم من الدخول إلى المدينة، فأجاب الحفيد بأنه أولا: ليس من دأب الكورد منع الضيوف وعدم إكرامهم، ثانيا: أنهم كعادتهم إنما جاءوا لزيارة كاك أحمد الشيخ، وهذا دأبهم فلا أستطيع منعهم منها، ومن ثم خفف ميجر سون طلبه بأن قال فليدخل هو وعشرة من رجاله ماشيًا ومن دون أسلحة، فلم يستجب الشيخ لهذا أيضًا( ).
فأعلن ميجر سون الحرب من جهته وفي ليلة (20-21/5/1919م) هرب هو، ووقعت المعركة الحقيقية مع الإنكليز وذلك في صباح يوم (21/5/1919م) حيث عسكرت قوات الاحتلال مقابل محمود خان الدزلي في سفح جبال كويزة الواقعة من شمال شرق السليمانية، والمعركة استمرت لمدة يومًا كاملًا، فدخل محمود خان مع جماعته وبعد أن قتل مجموعة من المسلحين التابعين للاحتلال انهزموا وأسر من كان في المدينة من رجال الاحتلال ومن بين الأسرى: ميجر دانليس، وتمكن ميجر سون من الفرار قبل بدء المعركة فعليا، وكان عدد مسلحي الاحتلال في المدينة على ما قاله حلمي: ألفين من المشاة و(400) الخيالة، إلا أنه وبعد مدة وجيزة انهزموا، وقتل من أتباع البريطانيين رشيد أفندي برتبة ملازم، واثنان من ضباط الاحتلال( )
وبعد انتشار خبر استيلاء الثوار على المدينة جاء ويلسن عن طريق الجو فأنزل رسالة للشيخ فيدعوه فيها إلى زيارة بغداد لحل المشاكل، واشترط الشيخ شروطا للتفاوض فيبدو أن الاحتلال لم يعجبه، وأرسل رسالة لويلسن( ).
والسبب الرئيسي للثورة، هو تأسيس حكومة كردية مستقلة( )، ووضع حد لتصرفات البريطانيين.
إعلان الاستقلال:
قال ستيفت همسيلي:"كان حلم بعض متزعمي الأكراد بقيام دولة كردستان تحت رعاية بريطانيين قد ظهر بأنه أوشك أن يتحول إلى واقع في مدى أسابيع، وذلك بعد أن أصبح الأغاوات يفدون على مدينة السايمانية ويغادرونها، غير أن ذلك الحلم لم يتحقق؛ لأن مثل هذه التجربة كانت في الواقع تنقصها كل عوامل النجاح العملي ( ). فأعلن الشيخ محمود الإستقلال وعين قائمقام للسليمانية، ورفع علم كوردستان، وانتخب مجموعة من الشخصيات لإدارة الحكومة( )، وأخرى لإدارة المعركة من الناحية الإدارية( ).

معركة طاسلوجة( ):
القوات البريطانية التي جاءت لاحتلال السليمانية مرة أخرى، ولانتقام من الثوار كانت مؤلفة من نحو خمسة آلاف مسلح بقيادة(الميجر بومي) ومن جهة أخرى جاءت فرقة(18) من الموصل بقيادة الجنرال فرايزر، ومن كركوك كابتن لونجريك معاون الحاكم السياسي مع قوة أخرى وصل إلى طاسلوجة ووصلت طاسلوجة في(25/5/1919م)( ) وبعد أن علم الشيخ بقوات الاحتلال خرج فالتقيا في طاسلوجة، فبدأت المعركة من الصباح، واستمرت إلى العصر، وانتهت بهزيمة فاضحة للاحتلال وتراجع إلى كركوك، وترك وراءه أكثر من مائة قتيل، و(مدرعتين) مع أسلحة والأرزاق الكثيرة، وبعد هذا الانتصار استمر الثوار في التقدم نحو جمجمال( ).
معركة جمجمال:
هاجم الثوار بعد انتصارهم في طاسلوجة مدينة جمجمال، فاستولوا عليها، وأسروا الحاكم السياسي هناك(بوند)، وأرسلوه إلى مدينة السليمانية، ومن ثم انتشر أخبار الثورة بكل أنحاء كردستان( )، وقد ورد في إحدى بيانات الشيخ أنه هاجمت قواتنا المكونة من (50) مسلحا على جمجمال وقتلوا مجموعة من الخونة وذكر أسماءهم( ) وهذه المعركة تُعدّ نصرًا كبيرًا للثوار ودفعت الكثير من العشائر إلى متابعة الأوضاع ووقوفهم مع الثورة، ناهيك عن الذين كانوا مع الاحتلال من أهل المنطقة فرجع كثير منهم إلى صف الثوار، وذلك باعتراف الاحتلال أنفسهم وعلى لسان الضابط إدموندز( ).
ومن ثم وقعت معارك ومناوشات في هذه المدة في باني مقان وقرة هنجير وجيمن وطريق كركوك وقتل فيها من الجانبين، ففي جيمن ورد في بيان الشيخ أنه قتلوا مجموعة كبيرة من الاحتلال وعثروا على جثة ضابط بريطاني، وكلما انهزم الاحتلال جمع قواته مرة بعد مرة( )، لماذا أعاد الإنكليز قواته مرة بعد مرة مع هذه الانكسارات والخسائر؟.
لأنه يخاف من توسع دائرة الثورة، كما يحكي الحلمي أن أهالي منطقة رواندز و رانية وبشتدر وكويه بل وأربيل كانوا يتابعون ثورة الشيخ بدقة وكثير منهم على أهبة الاستعداد لمهاجمة الإنكليز( ).
وكان الإنكليز خائفين جدًّا من اندلاع الثورة في المناطق الكوردية الأخرى فبعثوا فرقة مشاة عسكرية بقيادة كولونيل دودي إلى خانقين وكفري خوفًا من الانتفاضة أو دعم ثورة الشيخ( )، وأرسل تيودر فرايزر أيضًا من الموصل بقيادة سرية(18) جاء إلى ضواحي خانقين ليمنع من مساعدة ثورة الشيخ محمود من قبل أهل خانقين وكفري، وكذلك أكراد إيران، وقد حاصر محمود خان الدزلي هذه السرية لمدة ثلاثة أيام وأوقع فيها أضرارًا وخسائر كبيرة( ).ولمنع المعونة والمساعدة من أكراد إيران بعثوا سرية بقيادة الجنرال مود نحو خانقين، ولونكريك مع قوة ليفية اتجه نحو طاسلوجة، إلا أنهم تعرضوا لخسارة فادحة فبريدجس بصعوبة استطاع أن ينقذ نفسه، والتقى مع قوة (مان) في جمجمال فكانت خسائرهم عبارة عن(8) قتلى، و(12) جريحًا، و(14) مفقودًا.
وأما أضرار البريطانيين في هذه المعارك: وقتلاهم في معارك السليمانية وطاسلوجة وغيرها:
ملازم بول في كتيبة(32) بين القتلى وكابتن جيشولم وملازم ديكسن بين الجرحى، ومن الجنود (8) قتلى و(12) جريحًا، و(14) مفقودًا( ) وذكر خواجه عدد الأسرى وقال إنهم كانوا نحو(230) أسيرًا( ).
ومرة أخرى جمعوا قوتهم، وصلت سرية(18) قره هنجير، وحاصرتهم قوات الثوار بقيادة الشيخ قادر البرزنجي ومحمود خان الدزلي لمدة ثلاثة أيام صارت المعارك بينهما وفي الوقت نفسه قامت الطائرات بقصف مقرات الشيخ محمود في قريتي(بنه) و(إبراهيم ئاوا) ( ). كان الاحتلال يستغل أهالي المنطقة ويستعين بهم لمعاركه مع الثوار وهذه ظاهرة متكررة في جميع أنحاء العراق، ولذلك كان أكثر الضحايا من صفوفهم كانوا من أهل المنطقة، وهذا لا يعني أنهم لم يكن لهم القتلى والجرحى، ولهذه الانتصارات المتتالية للثوار أثر كبير في عودة الذين كانوا مع الانكليز لقوت عيالهم أو مآرب أخرى إلى صفّ الثوار وإلى جانب الشيخ، وخصوصا لما انتشر قيل وقال بأن الاحتلال يترك مناطق كردستان، ولا يعود إليها بعد الهزائم العسكرية من قبل الثوار( ).
وأرسل الشيخ محمود رسائل إلى رؤساء العشائر في مناطق بهدينان وسوران مع أن أكراد إيراد ومريوان وهورامان كانوا معه في جبهات القتال، وكتب فيها: إننا اضطرينا لرفع السلاح بوجه العدو، توكلنا على الله فالنصر لنا بإذنه، وهي مفصلة وطويلة فذكر فيها مساوئ رجال الاحتلال( ). وكان الاحتلال خائف جدا فترك بعض المدن مثل كويسنجق وكان على وشك الهروب في أخرى كرانية وبشدر( ).
وبعد الهجمات المتكررة استطاعت قوات الاحتلال اجبار الثوار على التراجع والانسحاب من جمجمال إلى دربندبازيان وكان الهجوم بقيادة(ثيودور فرايزر)( ).
دربندبازيان نهاية المرحلة( ):
لابد لبريطانيا العظمى من أن تردّ على هذه الثورة، وأن تثبت قوتها فأخذت تجمع قواتها، فبعثت من قريب ومن بعيد وجمعت ما يمكن جمعه من الموصل وكركوك وغيرهما قوة كبيرة مع المدفعيات والدبابة والطائرات الحربية، واتجهت نحو دربند بازيان التي عسكر فيها قوات الثوار، بعد قرابة شهر من اندلاع الثورة.
ودربندبازيان منطقة جبلية، ارتفاع الجبال في دربند بازيان (1000) قدم( )، وكانت لها منفذ وحيد بين الجبال. (18/ حزيران/1919م)
فجاء الاحتلال بقوات السيك والكوركة والكاجنس للتسلق على الجبال في دربند بازيان، وساعدتهم على هجومهم على الثوّار طائراتهم ومدفعياتهم فضلا عن عدد المسلحين الذي وصل إلى نحو ثلاثين أو أربعين ألفًا وبأسلحة متطورة مقارنة بأسلحة الثوار، فوقعت معركة عنيفة قتل فيها من الجانبين، واستطاع البريطانيون بعد ساعات حسم المعركة لصالحهم وذلك بسبب خدعة تمت من قبل بعض الخونة داخل صف الثوار كما يقال لكن ينبغي الاعتراف بأن الثوار أيضًا لم يأخذوا جهة الجبال بالحسبان، ولم يفكروا في تسلق العدو أو الهجوم من الخلف، فعلى كل حال وقعت المعركة، وخسر الثوار فقتل مجموعة كبيرة منهم كما جرح وأسر أخرى، ومن بين الأسرى قيادات الثورة بل القائد الأول وهو الشيخ محمود، فأُسر وكان مجروحًا بطلقتين على الكتف والظهر؛ لأنه لمّا رأى واحدًا من مقاتليه جُرح، حمله لانقاذه فأُصيب بطلقتين( ). وقُتل في المعركة من الكورد(عدد كبير)، وجُرح أيضًا مجموعة أخرى من المقاتلين، وأُسر(120)مُسلّحًا( ).
فكانت القوات التابعة للبريطانيين قد أحرقت الجرحى وهم أحياء وذلك بإشعال النار فيهم، ولمّا رأى الشيخ هذا المنظر المنافي للإنسانية نادى بأعلى صوته: هذه الإنسانية عندكم؟، هذه ديمقراطيتكم؟!، هكذا تحافظون على الشعوب وعلينا؟، أهناك قوانين دولية تسمح بإحراق الجرحى؟!!( )، فخجل الضابط البريطاني لمّا سمع كلام الشيخ، فمنع هذا التصرف فيما بعد.
ومن ثم توجه الاحتلال إلى السليمانية لفك أسراهم هناك، ولكنّ الحُرّاس لم يسمحوا لهم فقاتلوا معهم حتى قتُلوا كلّهم. وكان الحاج سيد عمر عم الشيخ محمود مُتصرّفًا في السليمانية ووقع في الأسر عندهم لكنهم ضربوه حتى مات ( )، وكانت معركة دربندبازيان في يوم(19/5/1919م – 24/12/1328ه)( ).
واستمر بعض الثوار من قوات الشيخ في الثورة ولم يخضعوا للأمر الواقع ومنهم عبد الكريم عبدالفتاح الهموندي من رؤساء العشيرة، فكان مُستمرًّا في مقاتلة الاحتلال ولكن عن طريق حرب العصابات فأوقع خسائر في صفوفهم ( ).
الشيخ محمود وحكم الإعدام:
حكم على الشيخ في حياته بالإعدام مرتين. إحداهما من قبل محكمة ولاية الموصل في الدولة العثمانية على إثر رسالته إلى البريطانيين والاطلاع عليها من قبل العثمانيين وذلك في(30/8/1918م)، ومن ثم خفف عليه وأفرج عنه وعاد إلى السليمانية في (11/1918م) ( ).
المرة الثانية من قبل محكمة بريطانية في بغداد:
وذلك بعد معركة دربندي بازيان التي سبق ذكرها، فبعد أن أُسر مجروحًا حكمت عليه المحكمة بالإعدام( )، ومن ثم خفف الحكم إلى ثلاث سنوات قضاها في سجن بالهند وفي جزيرة (هنجام في الهند) وبقي ثلاث سنوات هناك، وعاد سنة(12/9/1921م) ووصل إلى الكويت، وبعد عام وفي(12/9/1922م) وصل الشيخ محمود إلى العاصمة بغداد وفي يوم(30/9/ 1922م) عاد إلى السليمانية ( ).
وعند عودته إلى بغداد وبعد حوارات عديدة مع المسؤوليين البريطانين والحكومة الملكية اتفقوا على تنصيبه حاكمًا للسليمانية، وبعد مدة قصيرة اتهموه بعدم الخضوع للسلطة الملكية، فبذلوا جهودهم للنيل منه إلى أن ترك السليمانية واستقر ببينجوين، ومن ثم بعد حوارات مع المسؤولين العراقيين آنذاك سافر إلى بغداد واستقر هناك إلى أن أتته المنية، وذلك في مستشفى حيدر، ليلة الثلاثاء، في(9/10/1956م)( ).
وقد تبين لي خلال حياة هذه القامة وهذا الرجل المناضل وغيره من أهل المنطقة والعراق ما يستنبط من كلام العلامة المفكر الجزائري مالك بن نبي:" أن المستشرقين وأهل الغرب لما رأوا من له دور وأثر ويمكنه أن يقدم ويتطور ويخدم شعبه نالوا من شخصيته وأذاعوا فيه اتهامات مختلفة، وتعكس نظرتهم لمن كان معهم من أبناء جلدتنا فيمدحون من تبعهم وقلدهم ويعلون اسمه، وإن لم يكن عنده شيء يذكر"( ). وللأسف نحن الذين نبذل جهودنا ونصرف طاقتنا حسب مخططاتهم المباشرة وغير المباشرة، فنهدم بلادنا ونقتل إخواننا ونخوف الآمنين ونجوع المواطنين ونهجر الساكنين ونحسب أننا نحسن صنعا!!.
وعلى أية حال كان لثورة الشيخ محمود أثر في نقل الثورة إلى مناطق أخرى ولا سيما الكوردية منها وذلك باعتراف الاحتلال بأنها حرّكت موجات من القلق في أرجاء العراق( ) فبعد مدة وجيزة من ثورة الشيخ اندلعت ثورة العمادية وبروار وغيرها( )، وبعد شهور من هذه الثورة علا صوت العراقيين فظهرت الثورة العراقية الكبرى وكان للكورد وأصدقاء الشيخ دور فيها وإن لم يسجل كما ينبغي بل وصل الحد إلى البعض بأن ينفي أي دور للكورد في ثورة العراق الكبرى ثورة العشرين، وسأحدث عنها في المبحث الآتي بإذن الباري.

المبحث الثالث:
السليمانية والمناطق الكوردية الأخرى في أثناء ثورة العشرين.
سبق وأن قلنا إن ما قام به الشيخ ومن معه من أهل المناطق الكوردية بدءًا بالسليمانية ومرورًا بالشهرزور وإلى حلبجة ومناطق هورامان، وبازيان وتكية وجمجمال وإلى كركوك، ومن منطقة قرداغ وسنكاو، وبعض أهل كرميان إلى كفري وخانقين، وكذلك مناطق بهدينان وعمادية وبروار وعقرة وغيرها، كلها كانت في إطار رفض الاحتلال وطلب للحرية والاستقلال، وإن وجد اختلاف في بعض التفاصيل.
وبعد اعتقال الشيخ وأسره في معركة دربندبازيان(1919م)، ومن ثم الحكم عليه بالسجن لسنوات ونفيه إلى الهند،كان بعض أصدقائه بقوا على فكرة مقاومة الاحتلال البريطاني على المنهج نفسه، وإن كان غياب الشيخ له أثر كبير في تحركاتهم، ومنهم كما سبق عبدالكريم عبدالفتاح الهموندي، فبقي على الكفاح ضد الاحتلال، وقتل منهم عددا في السنوات التي تلت ثورة الشيخ، إلى أن اضطر الاحتلال بأن يصدر العفو عنه إلا أنه لم يُغيّر من موقفه، فكان ينتظر الفرصة، فقتل كُلًّا من الكابتن بوند معاون الحاكم السياسي في جمجمال، وكابتن ماكانت في هذه المدة وفي دربندبازيان( ).المكان نفسه الذي جُرح فيه الشيخ وأُسر وقتل عدد هائل من الثوار.
ومن أهم الأسباب لعدم مشاركة مدينة السليمانية وأقواها هو أن الاحتلال في هذه المدة، الذي يمثله ميجر سون كان يحكم المناطق التي كانت تحت سلطة الشيخ بالحديد. وهذا باعترافهم ولا نتقول عليهم، اسمع إلى (أدموندز) في حكم سون:" قد بقي القسم: أي: السليمانية- هادئًا في أثناء الثورة العربية في العراق، والفضل في هذا يعود إلى إدارة صون (الميجر سون) الحازمة الشديدة على أن التدابير الجديدة لم تكن مما يروق له وآثر الاستقالة"( ). فلفظة: الحازمة" الشديدة" واضحة ولا تحتاج إلى التوضيح.
ومع ذلك كله فقد شارك عدد لا بأس به من مؤيدي الشيخ وغيرهم من الكورد في ثورة العشرين سواء كان في بغداد كأفراد، أو في المناطق الكوردية الأخرى، وممن تحدث عن مشاركة الكورد في ثورة العشرين:
الدكتور علي الوردي حيث خصص فصلا كاملا للثورة في المناطق الكوردية، وتحدث عن تفاصيل الأحداث( )، وكذلك الأستاذ عبدالمنعم الغلامي في كتابه: ثورتنا في شمال العراق، والدكتور كمال مظهر في صفحات من تاريخ الكورد.
وممن شارك في ثورة العشرين مصطفى بك الذي من الشخصيات الكردية المعروفة في بغداد ورفيق حلمي الذي كان من مؤيدي ثورة الشيخ ومن الذين كان معه فعليا، وجلال بابان أيضًا من الأعضاء المؤسسة لجمعية الاستقلال وله دور كبير في ثورة العشرين، وكذلك حمدي باشا. وذكر الحلمي ثورة الشيخ الضاري والتي بقيت أكثر من شهر ونصف شهر، وامتدت إلى مناطق الديلم وبدأت بقتل لجمن من قبل الشيخ في سنة(1920م) وهذه الثورة التي بدأت من الفرات الأوسط في الرميثة وفي(30/حزيران/1920م) ( ).
والأهم من ذلك قام عدد من الناشطين الكورد في هذه المدة كرفيق حلمي، وفائق توفيق (فائق طابو) والمحامي رفيق توفيق من السليمانية، وكريم الحاج عبدالله من كركوك، ومجموعة أخرى من الشباب حاولوا إقامة نوع من الصلات مع الثوار في بغداد وذلك عن طريق مصطفى بك، ولكن لاضطرار الثاني إلى الاختفاء لم تكن جهودهم مثمرة( )، وذكر حلمي لحظات الثورة التي عاش هو معها في بغداد( ).
فَبِوُصول الثورة إلى ديالي في (6/اب/1920م) تحرّك الكورد الساكنين بهذه المناطق للمشاركة في الثورة،كأهالي خانقين وكفري( )، فقام أهل الكفري بالنهضة الفعّالة في ثورة العشرين، وكذلك في خانقين( )، ولا أريد الخوض في سرد الأحداث في أثناء ثورة العشرين؛ لأنني على يقين أن بعض الباحثين خصصوا بحوثهم لبعض هذه المناطق، والتكرار عديم الفائدة، وكذلك لا أريد الخروج عن نطاق بحثي الذي خصصته لدور الشيخ محمود ورفاقه في الثورات.
وقفت خلال البحث على بعض المسائل
ولو رجعنا ونطرح السؤال الآتي: لماذا لم يتحرك جميع الشعب العراقي في لحظة واحدة، فبدأت نهضة في النجف، ثم ثورة الشيخ محمود، وثورة أهل السليمانية وضواحيها، ومن ثم بعض المناطق الأخرى كوزاخو وبهدينان، وبعدها ثورة العشرين.
الإجابة عن هذا السؤال بحاجة إلى تأملات ومقارنات مفصلة، ولكن يمكننا أن نقول: لم ينهض المجتمع العراقي والكوردي كله معًا لأسباب منها: أن أهالي السليمانية طالبوا بالاستقلال والحرية، وكان مطلب الاستقلال لم يكن مُجمَعًا عليه، ولم يخص جميع القوميات العراقية ولاسيّما العربية.
ومنها أن طبيعة الثورات في العراق كانت هكذا فهي ثورات متقطعة، ويعود هذا طبعا إلى طبيعة تعامل الإنكليز مع المناطق، فكان تعاملهم يختلف حسب طبيعة الحاكم للمنطقة، فلم تكن تصرفاتهم متماثلة( ) وإلا فكان الشيخ محمود على اتصال مع بقية المناضلين للاحتلال كما حكاه الكُتّاب بهذا الشأن، فصارت مدينة السليمانية مزارًا لرؤساء العشائر والأغوات للمناطق المختلفة من كردستان، فيفدون ويغادرون فوجًا بعد آخر( ).
تبيّن لي من خلال تصفحي لثورات العراق ما يأتي:
هناك ظاهرة اتفق عليها جميع المناطق في العراق، وهي كلما سيطر الثوار على مكان، ناحية أو قضاء أو مدينة، فكان من أوائل أعمالهم إنزال علم الاحتلال، وهذا يعني أن رفض الاحتلال مطلب مُجمَع عليه، والعراقيون يرفضون الإحتلال مُطلقًا( ).
لكن اختلفوا في العَلَم البديل، ففي السليمانية لم يرفعوا علم العربي ولا العثماني، بل العلم البديل كان علم كوردستان( )، أما في بقية مناطق الجنوب أو الوسط فقد رفعوا العلم العربي ذا الألوان الأربعة( ).
باستنثاء بعض المناطق، ففي خانقين لم يرفعوا لا العلم العربي ولا الكوردي بل رفعوا العلم العثماني( )، وفي بعض المناطق أنزلوا العلم البريطاني، لكن لم يرِدْ رفعهم علمًا آخر كمندلي (قزلرباط) وكفري وربما مناطق بهدينان( ).
واختلفت طبيعة الثورات من منطقة لأخرى جزئيًّا حسب العُرف والزعماء الذين لهم دور في الكفاح والثورات، ففي السليمانية مثلًا مع أنها اندلعت الثورة فيها - بعد زاخو وعقرة – ولكن بعد سيطرة الثوار حكموا المنطقة لمدة أكثر مقارنة بمناطق أخرى.
ومع ذلك لم يتعرض الناس للاعتداء على أموالهم وأنفسهم، ولا التفكير بانتقام من الآخرين بشكل لافت للنظر كما حدث في بعض المناطق الأخرى( ).
وفي السليمانية كان لهم زعيم واحد لم يكن لديهم تعدد الزعماء، وهذا أيضًا مباين لكثير من المناطق، وأهالي السليمانية كلما سنح لهم طرد إنكليز أعلنوا حكومة محلية، وليس إدارة مؤقتة، ويعود ذلك إلى أن لهم إدارة مشتركة من قبل مع الإنكليز( ).

الخاتمة.
أحمد الله تعالى على نعمه الظاهرة والباطنة، وأصلي وأسلم على خير البرية محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كثرت الكتابات عن الشعوب المضطهدة والمستعمرة، ومن بينها الشعب العراقي بجميع قومياته، إلا أن الحديث عن مرحلة بعينها وأحداث بذاتها، يساهم في جمع الأحداث ضمن بحث مختصر مفيد، وربما يضيف جديدًا مستنبطًا بالتأمل والتأني فيما روي وحكي أو يوضح زوايا غامضة في موضوع البحث.
فبعد هذه الدراسة الممتعة وصلت إلى نتائج كثيرة وأبرزها:
أولا: كان هناك تأثير لثورة السليمانية على بقية المناطق، وإن لم يكن مباشرًا، وهذا أمر طبيعي وفطري لمّا تقوم مجموعة بدعوة ومطالبة لأمر ما فسيكون له أثره على الآخرين، فكما أن دعوة أهل الحجاز حثت بقية المناطق العربية على التحرك نحو طلب الاستقلال وبناء الدولة، فكذلك الحال لمواطني الدولة والمنطقة نفسها.
ثانيا: وجدت أنه لم يذكر دور علماء الإسلام في ثورة الشيخ محمود، فلم أجد ذكرًا لهم وهذا بحاجة إلى البحث والتحقيق لمعرفة عدم ذكرهم.
ثالثا: عدم تحقيق ما تمنّاه الشيخ محمود لم يتعلق بشخصه وتعامله مع الاحتلال، بل إن موضوع
استقلال كوردستان أصلا لم يكن في جعبة الاحتلال.
رابعا: إن الاحتلال استطاع لمدة غير قصيرة أن يُشوّه صورة المناضل الشيخ محمود أمام شعبه فكذب عليه بأنه لم يمدّ يده للمصافحة مع الممثل الإنكليزي إلى أن أظهرت وثائقهم العكس لأن ميجر سون هو الذي لم يعطِ وجهًا للشيخ عند زيارته الأولى للسليمانية.
وأما توصياتي:
فأوصي المشتغلين بالبحث والدراسة بالتتبع والفحص العميق لما ورد في موضوع الثورات؛ لأنني وجدت أمورا منها:
هناك فئات في المجتمع لم يذكر دورهم في أثناء الثورات، ووجدت اختلافًا بيِّنًا في تسجيل بعض الأحداث، فعلى سبيل المثال ما هو سبب اغتيال الشيخ سعيد؟ فتجد إجابات متباينة، ولماذا ترك الشيخ محمود السليمانية بعد حادثة الموصل؟، وأين كان يعيش؟، ولا سيما الاختلاف في التواريخ. ورأيت بعض الكُتّاب غلب عليهم العاطفة في أثناء الكتابة وهذا ينبغي اجتنابه. ولذلك كله ينبغي الاهتمام بالكتابة في هذه القضايا لمعرفة الحقائق.

مصادر البحث:

  1. أعلام الكرد، مير بصري، ط1، رياض الريس للنشر، لندن- بريطانيا، 1991م.
  2. الأكراد شاكر خصباك، بغداد، 1972م.
  3. بانؤراماي ديرؤكي ديريني كورد، نوري كريم، سليماني- كوردستان، 2016م
  4. التاريخ المعاصر بلاد العراق، محمود شاكر، المكتب الاسلامي ط1، 1412- 1992م
  5. ثورة إبراهيم خان الدلو، مصطفى نريمان، بغداد 1986م.
  6. الثورة العراقية، أرنولد ويلسون، الترجمة: جعفر الخياط، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، 1971م.
  7. ثورتنا في شمال العراق، عبدالمنعم الغلامي، مطبعة شفيق- بغداد، 1966م
  8. حرب العراق(1914-1918م)، الزعيم الركن شكري محمود نديم، ط4، شركة النبراس للنشر،1954م
  9. الحركة الكردية في العصر الحديث، جليل جليلي، ومجموعة، الترجمة عبدي حاجي، دار اراس اربيل اقليم كردستان، ط2،2013م
  10. خةباتي كةلي كورد، بيرةوةرييةكاني، ئةحمةد تةقي، ستؤكهؤلم،نضال الشعب الكوردي، ذكريات أحمد تقي، 1988م.
  11. ذكرياتي، عبدالعزيز الفصاب، بيروت- لبنان، 1962م
  12. شرفنامة ترجمة هذار موكرياني، مطبعة اراس، ط3، 2006م.
  13. شكري محمود النديم، حرب العراق، 1914-1918م، دراسة علمية، ط8، بغداد 1974م
  14. الشيخ محمود البرزنجي وجهوده لقيام الدولة الكوردية، مجلة الإسلام في آسيا، كمال طاهر، ومحمد رسلان، وفيصل عبد الحميد، المجلد 11، العدد 2، السنة 2014م
  15. شيخ محمودي قارةمان و دةولةتةكةي خواروي كوردستان، محمد رسول هاوار، 1990م لندن-بريطانيا، الشيخ محمود البطل ودولته في جنوب كردستان
  16. الشيخ معروف النودهي، الشيخ محمد الخال، مطبعة التمدن- بغداد،1961م
  17. صفحات من تاريخ الشعب الكوردي، د. كمال مظهر أحمد، إعداد: عبدالله زنكةنة، الطبعة الثانية، مطبعة: وزارة التربية- أربيل.
  18. الضحايا الثلاث، عبدالمنعم الغلامي، مطبعة الموصل، 1955م،).
  19. الظاهرة القرآنية، مالك بن نبي، دار الفكر المعاصر، بيروت- لبنان، ط4، 1987م
  20. العراق الحديث من سنة 1900- إلى 1950م، ستيفت همسيلي، ترجمة وتعليق سليم طه التكريتي، مطبعة حسام.
  21. العراق في دوري الاحتلال والانتداب، عبدالرزاق الحسني، ج 1، صيدا، 1935م.
  22. فصول من تاريخ العراق القريب، المس بيل، وترجمه الى العربية: جعفر الخياط(1971م
  23. كرد وترك وعرب، سي. جي.أدموندز، ط2، أربيل،1999م
  24. الكرد وكردستان، وليد حمدي في الوثائق البريطانية، لندن،1991م
  25. كورد العراق منذ الحرب العالمية الأولى(1914م، وحتى سقوط الملكية، محسن محمد المتولي في العراق 1958م، الدار العربية، ط1، 2001م
  26. كرد وترك وعرب، سي. جي. أدموندز، ترجمة جرجيس عبدالله، دار آراس للطباعة، ط1، 2012م
  27. العراق الحديث من سنة 1900- إلى 1950م، ستيفت همسيلي، ترجمة وتعليق سليم طه التكريتي، مطبعة حسام (1988م) ط1
  28. مختصر أعمال أثناء الحرب العالمية الأولى في الكردستان الجنوبي، ئي، جةي. ئار، ترجمة من الإنكليزية: مهاباد صالح أحمد، السليمانية
  29. مذكرات أحمد التقي، ستؤكؤلم 1988م.
  30. من عمان الى العمادية، علي سيدو الكوراني، ط2، مطبعة اراس أربيل، ط2.
  31. منظومة الدرة العروضية، الشيخ معروف النودهي، مكتب التفسير، أربيل، 2004م، مع شرح الشيخ بابا علي.
  32. ياداشت (مذكرات) رفيق حلمي، سليماني، 2003م، ط3.
  33. ئاوينةي ذينم،(مرآت حياتي) مذكرات شاكر فتاح، مطبعة وزارة التربية- أربيل،، 2003م، تنظيم وتحقيق: أحمد علي البرزنجي.


  • ([1]) - راجع المصادر التي تتحدث عن الثورات العراقية في فترات مختلفة فلا تجد عمرانا قامت به الثورة إلا أنه ومن أولى خطواتهم إنزال العلم البريطاني وهذا شيء متفق عليه. خةباتي كةلي كورد، بيرةوةرييةكاني، ئةحمةد تةقي، ستؤكهؤلم، 1988ز، (ص122). وجيم دي، أحمد خواجه،(61). لمحات اجتماعية من تاريخ العراق المعاصر، د. علي الوردي(5/ القسم الثاني 45)، مذكرات رفيق حلمي (ص114)
  • ([1]) - والعلم الكردي كان فيه هلال أحمر وسط أرضية خضراء، التاريخ المعاصر بلاد العراق، محمود شاكر، المكتب الإسلامي ط1، 1412- 1992م، (ص83),
  • ([1]) - مذكرات رفيق حلمي (ص114)، ماذا رأيت أحمد خواجه (ص42)، ورفع العلم العربي في بعقوبة، وفي الخالص. لمحات اجتماعية، د. علي الوردي(5/ القسم الثاني 45 ص48).
  • ([1]) - لمحات اجتماعية، د. علي الوردي (5/ القسم الثاني 74).
  • ([1]) - نفسه (5/ القسم الثاني 77).
  • ([1]) - نفسه(5/ القسم الثاني 45- 47)
  • ([1]) - نضال الشعب الكوردي، ذكريات أحمد تقي، ستوكهؤلم، 1988م،(ص-122-123)، ماذا رأيت(جيم دي) أحمد خواجة لمحات اجتماعية، د. علي الوردي(5/ القسم الثاني 45).
Web Design Agency
cross-circle